home Join Our Facebook Group You Tube Channel
 
 
             
   
   
ARTICLES  
 
 
نديم الجميل ابتعد من الضغط ثم
 

 

نديم الجميل ابتعد من الضغط ثم "غطس" في الشأن العام


كريم أبومرعي


لم يكن سهلاً على نديم الجميل، الطفل الصغير الذي فقد والداً بحجم بشير منذ أشهره الاولى، ان يعيش طفولته عبر مرحلتين في آن واحد: الجو المدرسي الاكاديمي، والجو العائلي السياسي "كنت أعي مرحلتين في الوقت عينه، وكبرت في هذا الجو" الذي راوح بين طفولة "مدرسية" بداية في مدرسة القلبين الاقدسين - كفرحباب قبل الانتقال الى مدرسة سيدة الجمهور وصولاً حتى الصف الاول الثانوي، قبل التخرج في مدرسة "لويز فيغمان" عام 2000، وجو عائلي "مرتكز على بيئة "القوات اللبنانية" وحزب الكتائب، وقائم على تجربة العسكر والحرب".

فرضت الاوضاع التي رافقت تلك المرحلة على نديم المراهق الانتقال الى العاصمة الفرنسية لنحو ثلاث سنوات، قبل ان يعود ليكمل دراسته، ثم يعاود اقامته لأربع سنوات في باريس متخصصاً في الحقوق. لم تفارقه الرغبة في العودة الى الاماكن التي ترعرع فيها، وانتسب الى نقابة المحامين في 13 تشرين الاول 2006 "وشاركت في نحو 50 جلسة محاكمة قبل استشهاد بيار (الجميل) الذي بدّل كل الظروف". يستذكر نديم ابن عمه الوزير والنائب الشهيد بتأثر بالغ، يعكس العلاقة التي جمعت بينهما، والاحترام الذي كنّه النائب الشاب لابن عمه الاكبر.

دفعه الواقع الجديد الى بدء التفكير بالمغادرة والابتعاد "ليس هرباً او خوفاً، على رغم ان الظروف الامنية تبدلت وفرضت محدودية الحركة، كما ولّدت ضغطاً سياسياً وامنياً". شعر ان الحل الوحيد كان "الابتعاد قليلاً عن كل ما احاط بي في تلك المرحلة. كنت ألمس الحاجة الى فرصة لتكوين شخصيتي بعيداً من التأثيرات المحيطة، ولأدرك فعلاً ما أريد".

يكرر نديم رغبته في تكوين موقع لنفسه "بعيداً من ظل أحد". أفاد من فرصة ان مكتب المحاماة في بيروت كان في طور افتتاح فرع له في قطر، وهو في حاجة الى من يديره "عُرِض الموضوع عليّ، ووجدت فيه الفرصة للتعبير عن امكاناتي المهنية بطريقة لا ترتبط بـ "الواسطة"، وان الناس ستقدرني لمهنيتي لا لكوني ابن بشير الجميل". الابتعاد عن الحياة "المأسوية بعد استشهاد بيار" استمر لنحو سنة ونصف سنة "بعدما كان من المفترض ان ابقى لثلاثة اشهر، وفي حال لم تكن 2009 سنة الانتخابات النيابية لربما بقيت لمدة أطول في قطر".

ورغم ان المدة قد لا تشكل معياراً كافياً لتكوين شخصية، الا ان الجميل يصر على انها قدمت له ما كان يبحث عنه "وفرت لي خبرة كافية. عشت وحيداً وأهلت نفسي لأمور كثيرة على الصعد المهنية والشخصية والسياسية. كنت في حاجة الى ما اكتسبته، ثم أتت المعركة الانتخابية واعتبرت الوقت ملائماً لـ "الغطس" في الشأن العام". يفتح باب الانتخابات المجال واسعاً لـ "استقصاء" الاسباب التي دفعت الجميل الى خوص غمار "معركة الحياة والوجود". ويؤكد ان القرار "لم يكن سهلاً، اساساً الخيار لم يكن بين الترشح للانتخابات من عدمه. كان القرار بيني وبين نفسي: هل أرغب في خوض غمار العمل السياسي؟ هل أرغب في العمل بالشأن العام، وأتابع المطلوب مني أم لا؟ كوني ابن بشير الجميل وضعني امام احتمالين: عيش حياتي كغيري من الشباب، او خوض تجربة العمل في الشأن العام ومع الناس".

الواضح ان القرار "لم يأت في يوم واحد"، وكان مقروناً ايضاً بـ "المتى". يلفت الى ان العامل الاساسي كان مرتكزاً على التجربة "الاغترابية"، اذ انه لمس في قطر "حاجتنا في لبنان الى دينامية جديدة في العمل السياسي والافكار. رأيت اين وصلت دولة لم تكن مؤهلة منذ عقدين من الزمن. صحيح ان الاعتماد على النفط في دول الخليج اساسي، لكن النظرة التي امتلكها القطريون سمحت لهم بتطوير بلادهم. شعرت ان المطلوب منا كشباب لبنانيين دور مماثل، يعيد الثقة بالاقتصاد ويعزز ثقة الشباب بوطنهم، وعلينا كشباب ان نحمل الى المواطنين أملاً جديداً مبنياً على أفكار جديدة و"عدم وساخة" في المواقف السياسية او المتاجرة بها".

ما الذي تبدّل عن مسؤوليات الماضي وعبء شهادة قائد كبشير؟ يجزم نديم ان المسؤولية "لم تكن سهلة، ولم أكن اعي جيداً الواقع. كان جو "الابهيات" هو المسيطر، وفي نهاية المرحلة الثانوية بدأ الناس يطلبون مني أموراً لم اكن مؤهلاً لها، ولم تكن لي امكانات اساساً لتنفيذها"، وهي أمور راوحت بين المواقف السياسية والمساعدات الاجتماعية "في عمر الـ 17 سنة طلبت مني أمور يفترض بالنائب توفيرها!". اشعرته تلك المرحلة بـ "ثقل" ما انتقل معه الى المرحلة الجامعية "طلب مني عام 1998 اتخاذ مواقف من الانتخابات البلدية مثلاً. لم تكن الامور سهلة، وبت أوضع في مواقف تحسب عليّ. يتفاعل الامر مع الاشخاص، فاللبنانيون لا ينسون. بدأت اشعر بالمسؤولية وبدأ مستوى الضغط يرتفع، كما انه لم يكن هناك حزب او نائب او وزير ليدعمنا". يحضر بيار مجدداً في هذه المرحلة "مساهمته في اعادة الكتائب الى وضعها ومن ثم انتخابه نائباً وتعيينه وزيراً سهّل الامور، لكن هذا لم يخفف الضغط، الى حين قررت الانسحاب والتفكير ملياً".

لا يمكن الا تحضر طفولة نديم من دون ذكر شهادة والده. قد لا يدرك كثيرون ان تعرّفه الى بشير الاب "تأخر قليلاً، اذ تعرفت بداية الى الرئيس والقائد، وفي مرحلة لاحقة علمت كيف كان يتصرف كأب ومع العائلة. في المراحل التي أمر فيها اتعرف اليه، مثلاً في المرة الاولى التي قدت فيها سيارة قال لي قريبون: "هيك كان يعمل بيّك"، الامر مماثل في أمور شخصية أخرى. تعرفت اليه قائداً عبر شرائط الفيديو وأقوال الناس، وفي مرحلة لاحقة اكتشفت كيف كان يتعامل مع الناس، وكيف قدروا فيه الكف النظيف والاخلاق والمبادىء والاستقامة، وأحبوه لأنه كان مستقيماً".

كل هذا لا يبدو انه يزيد من عبء الحمل "افترض ان بشير رفع لنا السقف الذي علينا ان نتجاوزه، لكننا نحن من سنقفز. في زمنه كانت المطالب مختلفة، لكن المعنويات والكرامة والحرية ما زالت قواسم مشتركة. حالياً بات اللبناني يبحث عن حقوقه كمستهلك. البعض متعلقون بالدين، وآخرون بالهوية والوجود، وآخرون تخطوا كل هذه المراحل ويبحثون حصراً عن الاستهلاك"، مبدياً رغبته في "خلق نمط سياسي جديد في البلد. سأطرح مشاريع قوانين وانشط في مجال التشريع، لكن الاهم ان العقلية والنفسية السياسية الاجتماعية يجب ان تتغيرا، والمطلوب عمل على مستوى الشباب وطريقة تفكيرهم ونمط حياتهم".


حرمت الحملة الانتخابية نديم الجميل القيام بما يحب، وفي مقدم ذلك تمضية الوقت مع الاصدقاء. ومع المسؤوليات النيابية الجديدة "يبقى الوقت في معظمه للعمل، اذ نقوم حالياً بتنظيم المكتب واعادة تكوينه مع شباب وأفكار وخلايا عمل وهذا يتطلب مجهوداً كبيراً. لكن في المقابل احب الموسيقى والخروج مع الاصدقاء، الاجتماعيات العادية لدى اي شاب. من الطبيعي ان اتخاذ بعض الاجراءات الامنية بالحد الادنى وبعض الحرص ضروريان، لكن في ما تبقى أقوم بما أريد. احب السباحة والتنس، والتزلج شتاءً. لكن في مرحلة الانتخابات "ما لحّقت أعمل شي، ومن هيك يمكن نصحت شوي".